محمد محمد أبو ليلة

157

القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي

يقول : إن قراءتي ( وليس قرآني ) خير من قراءتك ، وهذا يكاد يكون كفرا ( لأنه يؤدى إلى الكفر بشيء من القرآن نزل به جبريل ) قلنا فما ترى ؟ قال : أرى أن يجمع الناس على مصحف واحد فلا تكون فرقة ، ولا اختلاف ، قلنا نعم ما رأيت " . وقال على كرم اللّه وجهه : " لا تقولوا كان عثمان حرّاق المصاحف " « 1 » " وأما ما وردت به الروايات من أسماء متعددة بالنسبة لعملية جمع القرآن ، فإنه يدل على أن عناية المسلمين قد بلغت الغاية القصوى بهذا الكتاب العظيم ، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد . ولا عبرة بعد ذلك بما روى بطريق الآحاد ، إذا تضمّن ما يخالف الإجماع على حفظ القرآن وضبطه نصا ، وقراءة . وأما ما دسّ على عثمان ، وتلقفته الألسن والأقلام من أنه حرق المصاحف ، أو أنه أمر بحرقها بعد أن وضع المصحف الإمام ، وأنه أبطل القراءات الأخرى بعد أن ثبّت قراءة واحدة منها ، فهو افتراء وضلالة إذ لم يكن عثمان خليفة إلا والجزيرة العربية كلها مملوءة بالمسلمين ، والمصاحف منتشرة ، والمساجد آهلة بالعبّاد والحفّاظ والقراء ، يعلّمون الصبيان والنساء ؛ يصدق هذا أيضا على سائر حواضر الإسلام وقراه ومحالّه . يتضح لنا من هذا أن جمع عثمان ، وجمع أبى بكر قبله ، كان معروفا لكل الصحابة وكان موضع التسليم منهم . ولو كان غير أبى بكر جمع القرآن ، بالمعنى الذي سقناه ، لظهر ذلك واشتهر بين الصحابة ، وإذن فالتوفيق بين الروايات ، وإزاحة ما يوهم الاختلاف بينها ، هو السبيل الوحيد لإقرار المسألة ؛ أما أن يتخذ البعض من الخلاف الظاهري والفوارق الشكلية بين الروايات طريقا إلى الطعن فيها بالكلية ، وبالتالي التشكيك في سلامة النص القرآني ، فهو أمر مستبعد نقلا وعقلا . إن دعوى الكاتب إذن ، بأن بعض المصادر الإسلامية تؤكد عدم وجود نسخة مجموعة معتمدة للقرآن قبل عثمان ، خطأ ناتج عن سوء قراءة وسوء فهم لهذه المصادر .

--> ( 1 ) السيوطي - الإتقان 1 / 170 - 171 .